العلامة سيدي امحمد بن البشير الناصري

الناصري محمد
2019-07-29T19:57:09+01:00
سير و تراجم
الناصري محمد29 يوليو 2019آخر تحديث : منذ سنتين

ودع المغرب عموما وأرجاء سوس والجنوب خصوصا عالما عاملا مخلصا، أفنى عمره في طاعة الله ذكرا وعبادة، وتعليما وإنفاقا، وشاء الله تعالى أن يتوفاه إليه بعد فجر الخميس 17 محرم الحرام1427هـ/16 فبراير2006م عن سن ناهزت 91 سنة، قضى 49 سنة منها في تدريس العلوم الشرعية وما يرتبط بها من فنون في مدرسة سيدي علي أوسعيد الأخصاصية البوياسينية بنواحي إقليم تزنيت، فتخرج على يده فقهاء وعلماء وأئمة وأدباء.
وهوالزاهد الناسك سيدي امحمد بن البشير الناصري الإفراني الذي تعلقت به قلوب الناس وعمّهم فضله، وفقد فيه المغرب بل الأمة كلها العالم الورع والمعلم المقتدر والأديب الموسوعي والفقيه المتضلع.
ولد المرحوم سنة 1336هـ بمدشر أمالو بتنكرت بجماعة إفران الأطلس الصغير التابعة لإقليم كلميم، حفظ القرآن على يد سيدي محمد أوحسون بمسجد توريرت نعلي مجوض، وأخذ العلم عن والده سيدي البشير بن المدني الناصري وسيدي الطاهر محمد الإفراني، وابنه العلامة سيدي محمد بن الطاهر، وتصدر للإقراء بمدرسة سيدي علي أوسعيد بالأخصاص، وبها مكث إلى أن وافته المنية بإفران مسقط رأسه.
“التجديد” بادرت إلى إنجاز ملف عن المشمول بكرم الله سيدي امحمد بن البشير الناصري فزارت واتصلت بالفقهاء والعلماء الذين تتلمذوا على يده أو عرفوه وخالطوه، وقد أجمعت كل الشهادات على مكانته العلمية العالية ومعرفته العميقة وأخلاقه الرفيعة وتمثله لنهج السلف الصالح قولا وعملا.
ونظرا لضيق الحيز واعتبارا لأهمية هذه الشهادات ومكانة أصحابها قامت “التجديد” بنشرها في حلقات، وتهيب في الوقت نفسه بالذين يعرفون الفقيد ويدركون مكانته الرفيعة بأن يساهموا في التعريف به وتوثيق حياته ونشر إنتاجاته وإسهاماته، حتى يبقى المرحوم حيا في ذاكرة الأجيال، وتلك أمانة نسأل الله أن يوفق أصحاب الهمم إلى القيام بها.
نادرا ما كانت تلتقط صور للفقيد سيدي امحمد بن البشير الناصري رحمة الله عليه
1- حفيد الفقيد الشاعر الجليل سيدي البشير بن الطاهر الإفراني إمام وخطيب مسجد تيمولاي السفلى يبعث “للتجديد” بهذه الشهادة:

* كان أديبا عالي النفس نحويا لغويا فقيها مؤرخا بيانيا أصوليا فرضيا عروضيا، فأصبح بذلك نبراسا وهاجا وبحرا ثجاجا.
* كان على سمت السلف الصالح من الإقبال على الله وإعداد العدد والتزود بالتقوى حتى جاءه الأجل المحتوم.

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد
فهذه نبذة موجزة من حياة فقيد العلم والأدب، العلامة الكبير الحاج محمد بن البشير بن المدني بن احمد الناصري، أدلي بها كشهادة بما عرفته عنه على سبيل الإجمال وإلاّ، فـ:
أيّ مـدح أدلي به نحـو خالي /// َمحْمدٍ مَنْ مِنَ المثالب خال
إن تصديتُ للتفاصيل أعـــيا /// عشُر مِعشارها لسان مقالي
َمن يعد النجوم والرمل والـ /// وبـْــــل بغــير طريـقة الإجمال
فمساعي الفقيد فضلا من اللـــــــه /// تمثـلن في جميع الخصال
فأقول هو الأديب الكبير العلامة الخبير، الذي شرق ذكره وغرب وأبان عن نسبه وحسبه وأعرب، ولد رحمه الله عام 1336هـ بتوريرت ندعلي مجوض، إحدى مداشر تانكرت بإفران الأطلس الصغير بدار والده في أمالو ـ الظل ـ بذلك عرف، مقر سكنى آل الناصريين ، ولما أدرك سن التمييز التحق بمسجد القرية حيث حفظ القرآن على يد الشيخ سيدي محمد بن حسون من بني القاضي التوريرتي، ثم التحق بالمدرسة التانكرتية حيث تلقى راية المعرفة بِكلتا اليدْين من الشيخ العلامة محمد محمد بن الطاهر، فقد أخذ عنه كل الفنون الرائجة في المدرسة، وفي خلال ذلك كان يأخذ عن الشيخ الشهير العلامة الكبير الطاهر بن محمد الإفراني كلما حضر، ويكون ذلك في دار الفقيه مع ثلة من لِداته(3) المتفوقين، وقد لازمهما فترة أخذه ولم يتعدهما إلى غيرهما حتى تضلع وارتوى ودرى وروى فتخرج متمكنا من الأخذ بنواصي كل ما تلقاه من الفنون، فكان أديبا عالي النفس نحويا لغويا فقيها مؤرخا بيانيا أصوليا فرضيا عروضيا، فأصبح بذلك نبراسا وهاجا وبحرا ثجاجا لا يشق له غبار ولا يجارى في مضمار.
هذا علاوة على ما اختص به من بين لداته من التمكن في العلوم العصرية الحادثة، مما هو معلوم، وقد رزقه الله حافظة قوية وذاكرة واعية بهما أدرك ما أدرك وحاز ما حاز، وذلك فضل الله، يؤتيه من يشاء، وقد كان حين اكتفى من الأخذ يلزم دار والده، لا يحضر مجلس لهو ولا يضيع وقته في غير ما يعنيه ويغنيه، فلا تراه إلا مطالعا أو ذاكرا أو ساجدا أو قارءًا.
بقي على ذلك فترة مديدة لم يتصدر للتدريس في أية مدرسة إلى سنة 1378هـ/1958م، فشارط آل ايت بوياسين بالأخصاص”إقليم تزنيت” في مدرسة سيدي علي بن سعيد، فكان عميدها بكل جد وإخلاص منذ ذلك التاريخ إلى أن أحس بالعجز عن تحمل مؤونة المدرسة، فودع القبيلة وداع من لا يعود إليها أبدا- كما أخبرهم بذلك فيما قبل-، وكان رحمه الله تُوثر عنه كرامات وتُرى منه خوارق، مما يدل على أن وراء الأكمة ما ورائها، ولاغرو في ذلك، ف”إن أكرمكم عند الله أتقاكم” وإن لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي، وقد كان على سمت السلف الصالح من الإقبال على الله وإعداد العدد والتزود بالتقوى حتى جاءه الأجل المحتوم، فرحل إلى النعيم المقيم راضيا مرضيا عنه.
ما زال يلهج بالرحيل وِذكره /// حتى نـاخ بـبابه الجــــــــمّال
فأصابه متيــقظا متـشمـــــرا /// ذا هِــبة لـم تُــلهـِه الآمــــــال
رحمه الله رحمة واسعة وإيانا معه، آمين. كتب صبيحة يوم الأحد الرابع من صفر 1427هـ بمسجد تيمولاي السفلى.
2- شهادة الأستاذ “محمد الصالحي” عضو المجلس العلمي بتزنيت تحت عنوان:
“كلمة في حق المرحوم شيخ الأجيال ومربي الأقوام العلامة سيدي امحمد بن البشير الناصري الإفراني رحمه الله
* المرحوم فريد دهره، فريد في زهده وسمته، فريد في تحصيله واستحضاره
* كان رحمه الله ذا ثقافة واسعة شاملة، فارس المعقول والمنقول، والفروع والأصول
* يألف ويؤلف، رسخت محبته في قلب من لا يعرفه وأحرى من عرفه أو سمعه
ينحدرسيدي امحمد بن البشير الناصري من إحدى الأسر العلمية الصوفية الشهيرة بسوس العالمة، وأصل هذه الأسرة الماجدة الزاوية الناصرية بتامكروت التي تعتبر مركزا من مراكز العلم بالمغرب، فاشتهرت بالشيخ سيدي امحمد بن الناصر ـ الجد الأعلى لصاحبنا ـ وبأولاده وأحفاده، كما اشتهرت بأساتذتها اللامعين، وبالمتخرجين منها البارزين المتفوقين، كما اشتهرت بخزانة كتبها الكبيرة المتميزة بنوادرها المطبوعة والمخطوطة.
فالشيخ ابن ناصر هو الجد السابع للمرحوم سيدي امحمد بن البشير، فهو: امحمد بن البشير بن المدني بن احمد بن الحسن بن علي بن يوسف بن محمد الكبير ابن امحمد بن ناصر الشيخ العظيم، وهم من ذرية سيدنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب من آل البيت الشريف. وأول من نزح ـ من هذه الأسرة الناصرية الإفرانية ـ من تامكروت إلى سوس هو سيدي علي ابن يوسف، حيث سكن “أولوز” خليفة لأبيه في حياته، ثم خلفه ولده الحسن ابن علي بن يوسف وهو عالم مرشد، أسس “زاوية إزيض” برأس الوادي “ناحية اولاد برحيل بإقليم تارودانت”، ونزل إفران الأطلس الصغير بكلميم من هذه الأسرة الماجدة سيدي القرشي بن الحسن ابن علي بن يوسف. أما القطب الكبير ــ الجد الأول لصاحبنا المرحوم بكرم الله، سيدي المدني الناصري ــ فهو إمام عظيم، وشيخ كبيروقطب شهير توفي سنة 1306هـ ويقام على ضريحه موسمان سنويان ديني وتجاري. وقد نزل إفران زائرا عمه القرشي، ثم استقر معه وزوّجه بنتَه وخلفه وذلك سنة 1226 هـ تقريبا، وقد استقرت هذه الأسرة في إفران أزيد من قرنين.
والمرحوم الذي سيقت هذه المقدمة التاريخية من أجله علاّمة الأسرة وشهيرها وأولها وإن جاء متأخرا ولا أخال واحدا من الناصريين حصّل تحصيله (المعسول10/70) وهو العالم الناسك الزاهد الورع الصابر السخي الناصح المرشد الواعي المتفتح، المتتبع لأحوال المسلمين، والمهتم بأمورهم، فهو فريد دهره، فريد في حسن سمته، فريد في زهده وتنسكه، فريد في تحصيله، فريد في عزوفه، فريد في استحضاره، عزوف عن الدنيا ومباهجها.
اختار التبتل والوحدة ـ دون زواج ـ مبدأ، والإنقطاع لعبادة الله تعالى صياما وقياما وأورادا وأذكارا منهجا، وخدمة العلم وحبه ونشره وثبه مسلكا وديدنا، واستقبال أفواج الزوار من مختلف الطبقات والجهات عادة وطبيعة، والجود بما في يده وبعلمه ووقته سيرة وِجبلة.
كـريــم عـالـم نـدب هـمـام /// ومُزر بالجواد الَبرمكي
جليل القدر من تاهت فخارا /// به إفرانُ ذو العلم الروي
بيتان من قصيدة إلغية، رحب بها الأديب محمد بن علي الصالحي بصاحبنا يوم أن زار إلـــغ وهو شاب “ابن 26 سنة” فتفرس فيه ما صدقه الله من الكرم والعلم والهمة العالية والمكانة الرفيعة . كان رحمه الله فارس المعقول والمنقول، والفروع والأصول، ذا ثقافة واسعة شاملة، من مشايخ العصر، وجهابذة الدهر، شوهدت له كرامات، نال رضى الناس على أن رضى الناس غاية لاتنال، وهو محبوب معزز مكرم لدى العامة والخاصة، فهو وعاء ملئ حلما وعلما، ونورا وحكمة، ورث علم آبائه، وتصوف وسر أجداده، مطبوع بالتحصيل والنبوغ، متفوق بين أقرانه بالتحليق في السماوات، ولم يكد يشرق في سماء بلده، حتى كان كوكبا وهاجا في مبادئه، ثم صار يستحيل إلى بدر يزداد توهجا وإشراقا كلما تطاول عمره. هين لين مرح لبق، أنيس المعاشرة ـ حلو المذاكرةّ ـ ملأ سوس معارف وتلاميذ ومريدين ومحبين ورسخت محبته في قلب من لا يعرفه وأحرى من عرفه أو سمعه، يألف ويؤلف، من العلماء الربانيين والفقهاء والمنصفين، كثير الصواب، حاضر الجواب، وكان محورا في العلوم، مرجعا في المشكلات، ومستشارا في المستجدات، ومفتيا في المعضلات، ومصباحا في المدلهمات، وأستاذا بارعا يحل ـ بامتياز ـ كل المبهمات، ويفك ـ باقتدارـ عقد الأزمات. أفنى عمره المبارك في نشر العلم وخدمة الدين، ودعوة الخلق إلى التمسك بالعروة الوثقى، ونهج السلف الصالح المهتدين، عرضت عليه المناصب والوظائف وأعرض عنها.
كان مفتاحا للخير مغلاقا للشر” وإن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه” حديث شريف. وهو أحد مفاخر الأسرة العلمية الناصرية وأحد مفاخر جبال جزولة وسوس العالمة. ربض لأخذ علوم اللغة العربية وآدابها، والعلوم الشرعية وفروعها أمام كبار العلماء الأجلاء، والشيوخ الفضلاء، الذين قيضهم الله له ليطبعوا حياته الكريمة بالعلم والحلم والنبل والتدين المتين.
فهم: العلامة الكبير سيدي الطاهر محمد الإفراني، وابنه العلامة سيدي محمد بن الطاهر، ووالده سيدي البشير بن المدني الناصري، رحمهم الله، ونور قبورهم، وقد كانوا من المعارف والتحصيل والتدريس والتخريج بحورا، ومن القدوة والتربية بذورا. وقد قضى ما يقرب من خمسة عقود 47 سنة في الإشراف على مقاليد المدرسة العلمية العتيقة البوياسينية الأخصاصية التي قدر لها في الأزل أن يختار الله للتدريس فيها خيرة العلماء الكبار، أمثال سيدي الحسن بيـبيـس الأخصاصي وسيدي محمد بن احمد ارفاك الإيكراري وسيدي عبد الله بن محمد الصالحي وسيدي المدني ابن علي الصالحي، وسيدي عيسى بن المحفوظ الأدوزي رحمهم الله. قضاها “47سنة” كلها في الجد والتدريس والتربية والتوجيه، وتخرج على يديه كثير من العلماء والفقهاء والنبغاء، شغلوا اليوم مناصب متعددة كالتدريس والقضاء، والإشراف على المدارس العتيقة والإمامة والعدالة وغيرها. والرجل فريد في زمنه، بورك له في عمره وعلمه ورزقه وإشعاعه، وإني لأجد كثيرا من أوجه التشابه ونقط التقاطع بينه وبين شيخ الأجيال سيدي محمد الحبيب البوشواري التنالتي، قدس الله روحه. فكــــــــــــــل مــــنـــــــهـــــــــــما:
1- تفرغ للتعليم والتربية في معهده وزاويته.
2- يستقبل وفود الزائرين المتطلعين إلى التملي بطلعته والدعاء له.
3- ينفق بسخاء ما حل بيده.
4- عزوف عن مباهج الدنيا ومتعها حتى النكاح المباح.
5- كانت له سمعة طيبة مدوية طبقت اآفاق.
6- كان له كثير من التلاميذ والمريدين والمحبين.
7- يقصده العامة والخاصة للإستشارة والتبرك والدعاء زالزيارة.
8- فقد بصره في آخر عمره.
ونجد مجموعة من الصحابة والنابغين والسلف الصالح ومن فقهاء المدينة السبعة فقدوا بصرهم في أواخر أعمارهم. أمثال سيدنا عبد الله بن أم مكثوم الأعمى، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث والقاسم بن محمد ابن أبي بكروعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وهم من فقهاء المدينة السبعة وقتادة بن دعامة السدوسي، وقد جاء في الحديث “إذا أخذت كريمتي عبدي وصبر عوضتهما له بنعيم الجنة”. وهذه مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة التي لو تأملنا أبعادها ومقاصدها ودلالاتها لوجدناها كلها تنطبق تمام الإنطباق على شخصيته وسيرة سماحة الشيخ سيدي امحمد بن البشير الناصري الإفراني برد له ضريحه.

• “إذا أراد الله بعبد خيرا يفقهه في الدين” رواه الترمذي
• “إذا أراد الله بعبد خيرا حببه إلى جيرانه” رواه أبو يعلى الموصلي
• “إذا أراد الله بعبد خيرا صير حوائج الناس على يديه” أخرجه الديلمي
• “إذا أردت أن يحبك الناس فازهد في الدنيا” رواه ابن ماجة
• “إذا أحببتم أن تعلموا ما للعبد عند ربه، فانظروا ما يتبعه من الثناء” رواه ابن عساكر
• “أحبكم إلى الله أقلكم طعاما وأخفكم بدنا” رواه الحاكم
تلكم كانت لقطة سريعة وخاطفة من مسار سيرة هذا الشيخ الوقور ولو تأملناها بعمق وتدبر لوجدنا أنه ينفرد عن كثير من الفقهاء والعلماء بخصاال ومزايا، منها:
• الإستيعاب والتمكن لعلوم الفقه والسيرة والأدب والتاريخ والجغرافية.
• قوة استحضار النصوص والشواهد والوقائع والأحداث.
• اطلاعه الواسع ـ الغريب ـ عن تاريخ وحضارة أشهر دول شرق آسيا وأروبا كاليابان والصين والهند والطيلاند وماليزيا وسنغافورة، وألمانيا وفرنسا…ألخ
• انفتاحه على العالم حوله وتتبع الأحداث والمستجدات.
• موسوعيته العلمية.
• كرمه وسخاؤه النادر.
• شغفه بشراء الكتب، ولاسيما المخطوط منها، وقد كانت له خزانة متنوعة نادرة.
• سعة صدره ولباقته، حيث يرضي كل الأذواق المختلفة من زواره فيجد ـ عنده ـ كل ضالته، فقيها أو عالما أو تلميذا، بلديا أو غريبا، مثقفا أو أميا، شابا أوشيخا…، حيث يعامل كلا منهم بمقداره، ويخاطبه بما يناسبه، ويوجهه بما يلائمه، ويعالجه بما يصلحه.
يـــزدحم النــــاس على بابــه /// والمنهل العذب كثير الورود
وإني لأجد أن القصيدة التي مدح بها الشاعر الفحل، حامل لواء الدعوة الإسلامية سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه حبر الأمة سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما تنطبق أيما انطباق على شيخنا الناصري الإفراني رحمه الله، حيث يقول:
إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه، ولك أن تقول مرتاحا:
إذا مـــاابــن نـاصـر بـدا لك وجهه /// رأيت له في كل أحواله فضلا
إذا قـال لــم يتـرك مــقـــالا لقائــل /// بمنتظمات لا ترى بينها فضلا
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع /// لذي إربة في القول جدا ولا هزلا
وهكذا ودعت سوس والمغرب كله، عالما مصلحا نفاعا، خلف رحيله فراغا مهولا، والأمل في الله تعالى أن يقيض من هذه الأمة من العلماء العاملين المصلحين من يسد هذا الفراغ، آمين
والمرء مادام حيا يستهان به/// ويعظم الرزء فيه حين يفتقد
وأخيرا فهذا غيض من فيض وقليل من كثير، في حق سيدي امحمد بن البشير الناصري، فعسى الله أن يـيسر من ذوي العزائم والهمم من يتصدى لكتابة ترجمته، وجمع أطراف سيرته ومواقفه وآثاره الأدبية العالية، من قصائد ورسائل.
وما أصدق الشاعر العربي جرير بن الخطفي حين قال:
تـروعـنا الجـنائــز مقـبلات /// ونلهو حين تذهب مدبرات
كــزوعة هجمة لمغار ذيب /// فـلما ولى، غادت راتــعات
فرحمك الله ياشيخنا، وجازاك خيرا عن ما قدمت للعلم والدين.
سقى الله أرضا قد غدت له منزلا /// بكل سكون صيب المزن مغدق
آمين آمين. “انتهى”

3- حوار مع الفقيه أبي الطيب مولود السريري حول المرحوم:

“التجديد” زارت الفقيه الأصولي أبو الطيب مولود السريري القيم على المدرسة العلمية العتيقة بتنكرت ـ جماعة إفران الأطلس الصغير بإقليم كلميم ـ وأجرت معه الحوار التالي حول شخصية المرحوم سيدي امحمد بن البشير الناصري الإفراني:
* المرء يقضي عجبا من ذاكرة هذا الرجل وسعة علمه واطلاعه على كل ما يروج في العصر.
* أعرف منه أنه مطمئن البال على سنن طريقة السلف الصالح الذين يضرب بهم المثل .
* كان المرحوم صاحب نفوذ في النفوس والعقول والقلوب في مناطق ونواح عديدة.
** ماذا تعرف عن المرحوم سيدي محمد بن البشير الناصري؟
العلامة، اللغوي والأديب الكبير، حافظ الموسوعات الأدبية واللغوية، سيدي محمد بن البشير الناصري الإفراني أعرفه رجلا محترما وفقيها دقيق النظر منفتحا على ثقافة العصر، مدركا لخباياها، عالما بما يروج في الساحة العلمية والثقافية، أفنى حياته في الدراسة والتعليم والإرشاد والتربية الصوفية والدينية.
كان رحمه الله جوادا كريما، سمح الأخلاق، لطيفا رفيقا بالضعفاء والمحتاجين، مهيبا وقورا، وصاحب نفوذ في النفوس والعقول والقلوب في مناطق ونواح عديدة، وأعرف منه أنه مطمئن البال على سنن طريقة السلف الصالح الذين يضرب بهم المثل في العلم والدين والفكر والثقافة.
** لا شك أن لقاءات سيدي محمد الناصري ذات فوائد علمية ومتع أدبية، كيف تصفون مجالسكم مع المرحوم؟
* نعم، جالسته واستمعت منه فوائد جمة وأكاد أجزم أنني لم أر مثله في علمه واستحضاره للمتن والأشعار والروايات الأدبية وغير ذلك، حتى أن المرء ليقضي عجبا من ذاكرة هذا الرجل وسعة علمه واطلاعه على كل ما يروج في العصر مما هو قديم وما هو حديث.
وأما لياليه الأدبية فلا تنسى أبدا، فهي تبقى محفورة في الذاكرة، وفي القلوب وملازمة للأرواح.
كانت مدرسته في الأخصاص منارة علمية و موطنا يتشرف المرء بالتعلم فيه وبالإنتساب إليه، زرته في الأخصاص مرارا، وقد نقشت هذه الزيارات في نفسي وما صاحبها من فوائد علمية ومن جو أدبي رفيع ومن اقتباس روحي عظيم، والمرء لا يمكن أن يقول كل شيء، لأن الوجدان ومافيه من أسرار لا يستطيع أن يعبر عنه اللسان، وقد ربطتني بالمرحوم علاقة حميمية، فهو ذو منزلة في النفس عظيمة وسامية.
صورة لمدرسة سيدي علي أوسعيد بقبيلة آيت بوياسين بالأخصاص ـ إقليم تزنيت درس فيها المرحوم مدة 49 سنة
** كيف تصفون أول لقاء لكم بالمرحوم ؟
* أول لقاء لي به كان منذ 20سنة تقريبا، فقد زرته في المدرسة ووجدته يسرد عليه الطلبة بعض النصوص الأدبية، وهو ينشد معهم إنشادا مؤثرا مطربا يسري في الجسد كله.
وكان أول شعر يقرأه الطلبة عليه هو قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
وأجمل منك لم تر قط عيني /// وأحسن منك لم تلد النساء
خـلقـت مبـرأ مـن كـل عيب /// كأنك قـد خلقـت كما تشاء
وقد كان رحمه الله يمد الصوت في الروي مدا رقيقا شجيا تحس به في قلبك وجسدك، ويكاد شعرك يقف من شجوه ومن غناه.
وتوالت الزيارات واللقاءات، وسمعت منه الكثير وأفادني بالكثير، وأشعاره البليغة والنادرة ورواياته الأدبية لا تنسى.
وفي كل جلسة أخرج من عنده وأنا أزيد تعلقا بمحبته وبتعظيمه وتوقيره، وعلى كل حال فالشيخ سيظل أمام أعيننا إلى آخر يوم في حياتنا.
وقد أجمع الناس جميعا على فضله وعلمه وفكره وإعانته للضعفاء والمحتاجين والمساكين و الأرامل، وكل من كان يقصده لا يرده إلا بما يرضيه وما يسره.
** هل كان للقاءاتكم بالفقيد تأثيرا على شخصيتكم؟
* لقائه كان منعرجا في حياتي تغيرت معه أمور كثيرة، وتبدلت معه شؤون كبيرة، وأظن أنه رجل مبارك وإنسان أعطاه الله من الخير ما ظهر عليه في حياته من هبة ووقار وتشريف للناس وغير ذلك مما يعلمه كل من صاحبه ورافقه أو لقيه أو جالسه.
لن ننسى علمه الواسع وما أتاه الله من معرفة عامة عميقة، كما لا أنسى فضله، فقد ساعدني في أمور كثيرة من حياتي كانت ثقيلة على النفس والروح فكان منه ما أزال غمها وهمها، وأتى الله فيها بالفرج بسبب فضله وسعيه.
** أليست للمرحوم بعض الإنتاجات العلمية؟
* لا علم لي إلا بنظم الأجرومية، قيل أنه لم يكمله ونسب له بيتين وهما:
ومن له فهم يفوق فهمـي /// فليصلح الأخطـاء لا عن وهم
بعد تـثبت وطول نظـــر /// كي لا يزيـل صافيا بالوضر
لكن من المعتاد أن من كان مثل هذا الشيخ لا يمكن أن لا تكون له تقريرات وتحقيقات علمية لما يدرّس وغيره.
** إذا لم يكن المرحوم يؤلف فأين يمكن أن يتجه جهده العلمي؟
لا ريب أن أعماله من عبادة وإرشاد للناس والسعي في قضاء أوطارهم كثيرة، ثم التدريس الذي هو الشغل الأصلي للفقهاء السوسيين عموما.
** أ صحيح أن علماء من المشرق كانوا يعرضون عليه مؤلفاتهم؟
* لا علم لي بذلك.
** هل اطلع المرحوم على مؤلفاتكم؟
* نعم، اطلع على بعضها وأثنى عليها رحمه الله.
** ما علاقة المرحوم بالمختار السوسي؟
* الشيخ الناصري هو الذي صحح “المعسول”.
** هل من كلمة أخيرة؟
رحم الله سيدي محمد بن البشير الناصري وغفر لنا وله، وأود أن أنبه أنني سأكتب كتابا حول “العلوم الشرعية” أهديه لروحه، كما أنني سأعكف على دراسة خاصة عن حياته.
“انتهى الحوار”
4 – أبو الوفا يحيا “القيم على مدرسة آيت وافقا” بنواحي تافراوت بإقليم تزنيت يكتب عن المرحوم:
* إنه يتيمة عقد الأسرة الناصرية ومفخرة سوس خصوصا والمغرب عموما وهو مثال ساطع لما تخرجه المدارس العتيقة من علماء مقتدرين يحيطون علما بما يخدمون به البلاد والعباد.
* المرحوم ذو همة عالية، عزوف عن الدنيا وزخارفها، فقد طلقها طلاقا لا رجعة فيه.
أصيب القطب السوسي بصفة عامة والمدرسة العتيقة بصفة خاصة بوفاة العلامة سيدي الحاج محمد بن البشير الناصري الإفراني، فهو رحمه الله مثال للسلوك الحسن، والقدوة المثالية، والنهج القويم، المؤشر على سماحة الشريعة الإسلامية وعالميتها، محبوب لدى الخاص والعام، يثني عليه الكل ويتودد إليه، رغم أنه لا يتملق أحدا ولا يرجو منه نفعا ولا يخاف منه ضرا، فهو رحمه الله صادق التوكل على الله دائم الإستعانة به حسب مانراه منه ونسمعه عليه. وقد أكرمني الله بالإتصال به وتكرار الزيارة إليه، فرأيت منه ما حبببه إلي من العلم الغزير والخلق القويم والكرم الحاتمي، فكان نطقه حكمة، وسكوته تأملا، يقل الكلام، وإذا تكلم أحسن التعقيب والتعليق على كل ماقيل. كان يقوم الليل ويكثر من تلاوة القرآن، ويخفف الصلاة، وكان يترأس الحفل الديني النبوي الذي يقام في داره ويـبدأ بنفسه قصائد المدح للحاضرين، كان كريما مضيافا يحب طلبة العلم ويؤويهم إلى داره ويفيض عليهم من علمه وماله، ذو همة عالية، عزوف عن الدنيا وزخارفها، طلقها طلاقا لا رجعة فيه، رغم أنها تتلهف على أن تحظى بنظرة منه، لكنه لم يلتفت إليها، وقد عوضه الله عن الأبناء بالذين يحبون الخير فتسابقوا إلى خدمته والفوز برضاه فنالوا بذلك رضا الله ورضا الناس. والمرحوم مثال ساطع لما تخرجه المدارس العتيقة من علماء متمكين مقتدرين يحيطون علما بكل ما يخدمون به البلاد والعباد، ومن راجع ترجمته في المعسول الجزء العاشر صفحة 70 وما بعدها، يجد ما حلاه به مؤرخ سوس العلامة محمد المختار السوسي، وهو من أقرب الناس إليه، حقيقة واقعة لا غبار عليها. خلاصة القول أن المرحوم يتيمة عقد الأسرة الناصرية ومفخرة سوس خصوصا، والمغرب عموما. ” انتهى”
5- شهادة أبي القاسم اليزيدي إمام مسجد مطار محمد الخامس بالدار البيضاء وواحد من تلاميذ الفقيد.
* كانت أمنية المرحوم إنشاء معاهد إسلامية متعددة الإختصاصات يشرف عليها ويوسع بها دائرة العلوم
* كان مهتما مغتما بتأخر المسلمين في العلوم الدينية والدنيوية
نزلت بنا وبالأمة فاجعة وفاة شيخنا الفقيه الأجل العلامة الرباني سيدي محمد بن البشير بن المدني الناصري الإفراني تغمده الله بالرحمات والرضوان، فجادت لا بل أملت علي قريحتي مرارة المصاب، وعصرت من ذاكرتي حرارة الفؤاد، هذه الأبيات بل شبه أبيات كرثاء في حق شيخنا الإفراني، لا أداء لحقه ولا إبرازا لقدره، فذلك كالشمس في رابعة النهار، وإنما إبرادا للغلة، وإبراء-أحاول- للعلة، ومن باب: مالا يدرك كله لا يترك جله، فجمعتها ليلة السبت التاسع عشر من محرم المذكور، وكتبتها و ألقيتها في نفس اليوم بإفران.
على أنني لم أعرضها على فن عروض ولا بديع، ولا حاولت نحوا من ذلك، وإنما أطلقت عنان الفكر والقلم تسوقه جيوش الذهول أين وكيف تشاء، ولم أبال بشيء مما عسى أن يكون من نقد أو انتقاد، لأنني لست بشاعر ولا أديب، ومن دأب الأدباء والنقاد إغضاؤهم عن مثل هذا الكلام الذي يعرفون أنما هو نفثة مصدور! والأبيات هي:
هم الزمان ولم يهم بصالح /// أضنى الأنام بمؤلم الحدثان
ما للزمان وللأفاضل صرف /// فيهم يصول بفعل ذي عدوان
ياأيها الزمن المدير دوائرا /// للمتقين وكل ذي عرفان
أقسمت لو أحنيت رأسك مرة /// ألبسته غدرا من التيجان
ومددت ألوية الفجار علامة /// حتى يحاذر غدرك الثقلان
هذا الإمام أخو المعالي محمد /// من علمه في الناس ذو سيلان
أفزعتنا بمصابه وفجعتنا /// هلا أخذت معاشر الثنيان
إن الفقيد يفوق وزنا أمة /// وأها لها من رجحة الميزان
جمع الفضائل والمكارم والتقى /// كل الأنام بذا شهود عيان
ما شئت من علم ونسك خالص /// وتقلل نصح بل إدهان
قد كان للآمال قبلة قاصد /// يعطي عطاء لا تطيق يدان
قد كان موئل جاهد متعطش /// للعلم منه تشنف الأذنان
ياسوس قد أفلت شموس علومنا /// وأفولها خطب عظيم الشان
كل الليالي قد يزول ظلامها /// لاكن ليلك لن يفي بأذان
موت الفقيه مصيبة لا تجتلي /// لسقيم إدراك وللعميان
قد قيل ـ وهو الصدق ـ ليس بمدرك /// فضل الأفاضل غير ذي عرفان
موت الفقيه مصيبة فليبكها الـ /// شجعان في نحب كما النسوان
لله أفئدة أصيب غشاؤها /// من غاشم بمهند وسنان
لله أفئدة تئن كليمة /// ليست تطيق تنهدا بلسان
لله أفئدة تلهب وهجها /// هل تحتويها رحمة الرحمان
لله أندية سلبن زعيمها /// من كان يغمرها بسحر بيان
يامن يروم مثيله في عصرنا /// هون فلست ترى له من ثان
لو كان يمكن ذاك عشت مؤملا /// لكنه الزمن الخؤون يماني
أسفا على أسف أعيش بخطبه /// ما عبشنا إلا إلى خسران
إن كان مصروع أحب غوانيا /// لم لا أكون أنا صريع مغان
ماذا أقضي من حياتي بعده /// لولا القساوة نمت في أكفاني
أبني اليراعة والثقافة شمروا /// إن السفين بقي بلا ربان
أوكلما اندثرت سواطع أنجم /// نبقى حبيسي حيرة الأذهان
إن المحابر والدفاتر عطلت /// والعلم لم يرزق سوى النكران
داء الجهالة صار ينخر أمتي /// والعلم يشكو ظلمة الكتمان
والدين يصرخ أين أنصار العلى /// يارب قومي أخلدوا لهوان
قوموا انصروا الإسلام قومة واحد /// تزكوا وتعلوا غابر الأزمان
قوموا وهبوا للفعال وحصنوا /// تلك القلاع مشمري السيقان
قوموا وذودوا عن حياض محمد /// إن الأمور تؤول للذوبان
قوموا انشروا العلم الذي أوتيتم /// يزكو بنشركم بنو الإنسان
العلم دفن إن كتمت بيانه /// وهو الخلود لعالم رباني
العلم مجد والجهالة سبة /// وهو الوحيد أرى صمام أمان
إن أنس لن أنسى الفقيد وعلمه /// نعمى لقبر حله الإفراني
حيى الإله بوابل من رحمة /// جثمانه مترشحا لجنان
واشفع له يارب عفوا بالرضى /// أنت المؤمل أنت ذو الإحسان
هذه محاولة فقط لتسلية النفس بل لتسرية الغم عنها ولكنها أبت إلا أن تبقى تتوجع وتستحلي ذلك التوجع لما فيه من ذكرى الفقيد رحمة الله عليه وإن لم تغب لحظة عن الذاكرة.
والله يعلم كم مرة تاهت الروح في المنام حتى تلتقي مع الشيخ الفقيد تراه مناما وتتفاءل بذلك أن تراه في اليقظة فيتم اللقاء، لكن هذه المرة ـ ومن سوء حظها ـ رأته في المنام كما العادة وتاقت إلى رؤيته قبل أن يستقبله أو يستقبلها عالم البرزخ، ويشاء الله تعالى أن يبقى ذلك التوقان يجول ويجول حتى يلتقي بالشيخ-إن شاء الله- في فراديس الجنان منعما مظللا برحمة الله راضيا مرضيا وقد أبدله الله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله، وراحة وروحا بدلا من عناء هذه الدنيا، وأنسا في جوار المنعمين عوضا من وحشتها الموحشة، فكم كان يستوحش من بهرج الدنيا وزهرتها.
وكم كان دائم العناء الفكري بالنظر فيما آلت إليه أحوال المسلمين بل أحوال البشرية جمعاء، وكم كان مهتما مغتما بتأخر المسلمين في العلوم الدينية والدنيوية، إذ يرى -رحمه الله- أن الطائفة المعدودة على الأصابع من العلماء المبزين لا تفي بتلبية حاجة الأمة ولا تسد هذا الفراغ الذي يملأه الجهل، وحقا فالعلم والجهل كالماء والهواء، كلما ترك الماء فراغا إلا وملأه الهواء، فكذلك العلم والجهل، وقد صرح في هذا المجال بأن أمنيته الوحيدة إن لو كانت لديه إمكانيات يوظفها في إنشاء معاهد إسلامية متعددة الإختصاصات يشرف عليها ويوسع بها دائرة العلوم، فرحمة الله على الفقيد، فقد ذهب مأجورا بأمنيته الغالية، وإنا لله إليه راجعون. “انتهى”
6 – شهادة سيدي صالح بن عبد الله الصالحي الإلغي القيم على المدرسة العلمية العتيقة الحسنية بتيزنيت
* المرحوم معدن الزهد وكل خصلة حميدة
* مؤرخ حاذق ذكي جغرافي فيلسوف فلسفة إسلامية
* الوصف الغالب عليه أنه رباني متصوف ألمعي، غيور على دينه لا تستفزه المطامع
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
بعض أوصاف سيدي الحاج محمد ابن البشير بن المدني الناصري الإفراني رحمه الله فهو إنسان عين الزمان وفارس حلبة البيان إليه انتهت رئاسة الأدب الغض، ألقت إليه فنونه أزمّتها فاعتلى صهوتها وتباهت به حيثما حل وارتحل، حفظ حفظا متقنا كثيرا من مقطعات الدواوين كالمتنبي والحماسي وأبي تمام وغيرهم، إلى ما في الشريشي على المقامات وابن خلكان ونفح الطيب ونحوها من كتب الأدب القديم، إلا أن شعره وإن كان حافظا لأدبيات كثيرة جدا قليل جيّد، فهو كاتب وشاعر مقلّ مجيد، وإني لم أسمع له زيادة على ما في المعسول إلا قصيدة في رثاء سيدي المختار وأخرى في أزكاي وأخرى في استقلال الجزائر سمعت بها ولم أر منها ولو واحدة، وبالجملة فهو أديب لغوي كاتب شاعر، أزرى بكثير من أدباء عصره، يضاف إلى أدبه أنه كريم تتسابق إلى ساحته ركائب العفاة، وأنه معدن الزهد وكل خصلة حميدة، ينفق حيث يحمد الإنفاق من غير إسراف ولا تقتير، تأخذ يمينه فتعطي قبل أن تعلم شماله، فهو الموصوف حقا بقول الشاعر:
لا يألف الدرهم المضروب صرتنا /// لكن يمر عليها وهو منطلق
أما زهده فحدث ولا حرج، فقد وجدت متسعا. تأتيه الدنيا مرغمة من غير أن يشرئبّ أو يتشوف إليها، فيبدها على المعوزين والمحتاجين ثقة بما عند الله واتكالا على ما في خزائنه، بالغ في الزهد حتى اتصف بصفات نبي الله يحيى عليه السلام، فهو خفيف الحاد. لم يزل عزبا إلى أن لقي ربه يتزوج من الحور العين بفضل الله، وهو أيضا مؤرخ حاذق ذكي جغرافي فيلسوف فلسفة إسلامية، إذا حدثك عن دولة من الدول أو إقليم من الأقاليم تظن أنه من ذلك الإقليم أو من تلك الدولة تربى وترعرع وشاخ لم يتجاوزها قط إلى غيرها، يحدثك بجملها وتفاصيلها وعادات أهلها وتصرفاتهم، فهو آية عظيمة في الجغرافية وتاريخ العظماء والعلماء.هذا كله على ما يقوله مخالطوه من تلامذته وغيرهم، مثل تلميذه العلامة سيدي بلقاسم اليزيدي المقيم حاليا في مدينة سطات جنوبي الدار البيضاء، وعلى ما شاع على ألسنة زائريه، والوصف الغالب عليه لا سيما أواخر عمره أنه رباني متصوف ألمعي، غيور على دينه لا تستفزه المطامع، فلم تمل نفسه قط إلى أي وظيف، وكم عرض عليه ولم يكترث له ولا لمن عرضه عليه، ولا تلين قناته لمن يروم منه ما يخالف طبعه الذي جبل عليه منذ نشأته من الإنزواء والعزوف وعزة النفس، وتصدر للتدريس في مدرسة سيدي علي بن سعيد من قبيلة آيت بوياسين من الأخصاص جنوبي تيزنيت دخل إلى تلك المدرسة حوالي 1379-1957، وفيها تخرج عليه ثلة صالحة من العلماء ولازمها إلى مايقرب من وفاته رحمه الله يوم الخميس 17محرم1427/16 فبراير 2006، وكانت ولادته كما في المعسول سنة 1335هـ /1917م. “انتهى”
7- و أجرت “التجديد” الحوار التالي مع الأستاذة الفاضلة خديجة باكريمي عضوة المجلس العلمي بإقليم كلميم:
* يشهد لتفوقه ولنبوغه في تمكنه من نواصي القوافي ومطاوعته لها
عرف المرحوم بكرم الله سيدي محمد بن البشير الناصري بتحصيله العلمي الواسع في مجال علوم الشريعة وعلوم اللغة والأدب والشعر، وامتاز عن نظرائه من المدرسين في المدارس العتيقة باهتمامه بتاريخ الدول في الأقطار العربية و الاسلامية، والأقطار الغربية المشهورة.
يشهد لتفوقه ولنبوغه في تمكنه من نواصي القوافي ومطاوعته لها، وقد لمس فيه العلامة المختار السوسي رحمه الله آثار هذا التفوق حين وفد زائرا على والده- سيدي البشير الناصري-، حيث قال المرحوم مرحبا بالمختار السوسي:
سقيا لدهر منعم مختار /// أهدى المنى إذ جاء بالمختار
فأثنى عليه أمام والده مهنئا بنبوغه، قائلا:
هنيئا يابـني المدني هـنيئا /// بنباغة نشا منكم جديد
يحيء قريضه ذهبا مصفى /// إذا ما جاء شعر كالحديد
ورغم ندرة المكتوب من شعر المرحوم بكرم الله فقد تحمسنا لجمعه في بحث في الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها سنة 1998/1999 في موضوع “مدرسة سيدي علي أوسعيد الأخصاصية وشعر أستاذها: محمد بن البشير الناصري- جمع ودراسة-” تحت إشراف الأستاذ محمد بصير، ولقي ذلك استحسانا من تلامذة المرحوم ومحبيه ممن عرفوا نفاسة شعره، وخافوا ضياعه كما ضاع الكثير من إنتاجات أمثاله من رجالات العلم والأدب السوسيين، فكانت محصلتنا من شعرسيدي محمد 134 بيتا تناولت أهم الموضوعات و الأغراض التي نظم فيها شعراء وفقهاء سوس عامة: “الإخوانيات 16 بيتا، الترحيب52 بيتا، المدح 8 أبيات، التهنئة 16 بيتا، الرثاء39 بيتا، التعزية 6أبيات”.
والمشهور من إنتاجه الشعري، الذي يحفظه طلبته ومحبوه من فقهاء وغيرهم، قصيدة قالها بمناسبة استقلال الجزائر في 16 بيتا، هذا مطلعها:
هــاتفات المنى تزف البشائـر /// بــانهزام العدا ونصر الجزائر
فانبرت ألسن المحطات تشدو /// مطربات جيشا على البغي ثائر
وقال في آخرها:
يابــني قومنا هنيئا بنصـر /// مستــبيـــن آثــار تلك المشاعـر
حسبنا الله قد تحقق ماكـــ /// نا جميعا نرجوه من خير ناصر
ومما اشتهر من شعره أيضا مقطوعة، عبارة عن ابتهال، قيل إنه يرددها مع طلبته عند الإنتهاء من قراءة الحزب الراتب، وهي في خمسة أبيات، نظمها بمناسبة سعي المغرب لاسترداد الصحراء، وعند انطلاق المسيرة الخضراء.
يــاربنا فاردد لــــنا العيون /// وأصلح الأحوال والشؤونا
وشتت شمل العدا الاسباني /// بعـــز ملكـك مدى الأزمان
وغــيرهم من سائر الكفار /// ومن مؤيد لهم غدار
بجاه خير رسلك الكرام /// وآله وصحبه الأعلام
وصل عليهم ربنا وسلما /// مالاح كوكب وما غيث همى
وأما مرثية المختار السوسي فتحتل المقدمة في إنتاجه من حيث عدد أبياتها”23بيتا” وماذكره عن العلامة الفذ من أوصاف شهد له بها كل من عرفه عن قرب أو قرأ ما خلف من إنتاج علمي غزير، كيف لا وقد كانت علاقته بالعلامة المختار السوسي منذ كان هذا الأخير يدرس بمدرسة تنكرت، وتطورت هذه العلاقة لما لجأ المختار السوسي إلى هذه الأسرة مطاردا من طرف الإستعمار و اختفى في بيت الأسرة الناصرية ثلاثة أيام حتى تمكن من الإفلات، كما صرح بذلك المرحوم بكرم الله سيدي محمد بن البشير الناصري، وتعمقت هذه العلاقة لما استضاف المختار السوسي المرحوم صحبة ابراهيم الراشدي، أحد أقارب المختار ـ في الرباط، وكانا يساعدانه في تحرير المعسول وبعض المصنفات الأخرى، وقد كان للمرحوم يده الطولى والبيضاء في إخراج المصنف المذكور-المعسول- إلى الوجود.
ختاما نقول، إن موته، وإن كان مصابا جللا، تخف وطأته إذا علمنا أنه خلف ما به يذكر، فقد سبق وقال في رثائه للمختار السوسي:
والموت حتم للنفوس ولم يمت /// إلا امرؤ لم يبق مجدا يذكر
ونذكر هنا بما قال المرحوم بكرم الله في رثائه لأحد أعلام سوس -أحمد أزكاي- المتوفى رحمه الله سنة1381هـ، وقوله هذا يصدق عليه كما كان صادقا في من عزاه، قال:
ثـــلمه لا تسـد مادامت الأر /// ض إلى أن يؤوب كل مئابه
كــل يوم فــجيعــة بفــريــد /// إن توى عز من ينوب منابه
فــكــأن الزمان فيما رأيــنا /// طالب الثأر عند أهل النجابه
أو كمثل القسطار مازال يختار /// من الخلق صفوة ولبابه
كيف يلهو الفتى بعيش رغيد /// في ثراء ولذة مستطابه
وخطيب المنون في كل حين /// ببيان يلقي علينا خطابه
فاللهم اجعل لفقيدنا”لسان صدق في الآخرين” آمين. وسبحان الله الذي قال:” الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا” ” انتهى”
* 8 – وبعث الفقيه الأديب علي بن سعيد الأكماري القيم على مدرسة أمسرا العتيقة بإفران الأطلس الصغير ـ إقليم كلميم بهذه الشهادة:
* الفقيد رحمه الله قل نظيره في هذا العصر علما ودينا وزهدا وتقوى وورعا وجودا وكرما واستحضارا
* حبذا لو عقدت حوله ندوة أدبية تبرز جميع جوانبه وتكشف الستار عن خباياه
إن أمثال سيدي محمد بن البشير الناصري الإفراني من العباقرة الأفذاذ والعظماء الأفراد غني كل الغنى عن الشهادة والتزكية والإطراء.
ولقد صدق الشاعر العربي المعروف ابن الرومي إذ قال:
وما الحليّ إلا زينة لنقيصة /// يتمّم من حسن إذا الحسن قصرا
وأما إذا كان الجمال موفرا /// كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا
لكن نزولا عند رغبة “التجديد” واقتداء بالحديث الشريف”من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة” أقول: إن سيدي محمد بن البشير الناصري رحمه الله عالم رباني زاهد خاشع وأديب عبقري بارع متضلع، مجالسه عامرة بالفوائد فما شئت من أدبيات رائعة وحكايات رائقة ونصائح غالية ثمينة، محبوب لدى الخاص والعام، جواد كريم، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر”فليتق الله سائله” ولقد عرفت عنه رحمه الله ما لم يعرفه عنه إلا الخواص ولقد زرته بمدرسته بالأخصاص أكثر من عشر مرات وفي كل مرة أحرص أن أحضر مجالسه المفيدة القيمة التي لا تُمل، والخلاصة أن الفقيد رحمه الله قل نظيره في هذا العصر علما ودينا وزهدا وتقوى وورعا وجودا وكرما واستحضارا ولقد زار رحمه الله”دواكادير” بإلـغ سنة 1988م، وأنا إذ ذاك مشارط بالمدرسة الإلغية فخاطبته بأبيات شعرية ترحيبا به وتخليدا لهذه الزيارة التي قام بها لإلـغ، ومطلعها:
أبشر فقد نلت المنى ياخاطري /// واهنأ بمقدم ذا الإمام الناصري
كما خاطبته رحمه الله بأبيات شعرية ترحيبا به وبزيارته التي قام بها لمدرسة أمسرا إفران العتيقة وذلك يوم الخميس04 شعبان 1414هـ الموافق 27 يناير 1994م مطلعها:
أحيـيت ياعلم الهدى الأرواحا /// بزيارة زفت لنا الأفراحا
هذا باختصار ما يمكن أن أقوله في حق هذا العلم الشامخ والبحر الزاخر المتلاطم الأمواج، وإلا فالكلام فيه طويل الذيل يحتاج إلى صفحات وصفحات، وحبذا لو عقدت حوله ندوة أدبية تبرز جميع جوانبه وتكشف الستار عن خباياه وما ذلك بعزيز على المهتمين بإحياء تراث سوس وبعلماء سوس وأدبائها وفقهائها وأعلامها، فرحم الله الفقيد العزيز المحبوب رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته آمين. ” انتهى”

عن جريدة التجديد – الاستاذ الحسن بونعما – 

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!